الشيخ أحمد فريد المزيدي

197

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

قال الجنيد : دققت على أبي يعقوب الزّيات بابه في جماعة من أصحابنا ، فقال : ما كان لكم شغل في اللّه عز وجلّ يشغلكم عن المجيء إليّ ؟ فقلت له : إذا كان مجيئنا إليك من شغلنا به فلم ننقطع عنه ، فسألته عن مسألة في التوكل ، فأخرج درهما كان عنده ، ثم أجابني ، فأعطى التوكل حقه ، ثم قال : استحييت من اللّه أن أجيبك وعندي شيء « 1 » . سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن الكسب ؟ فقال : يستقي الماء ، ويلتقط النوى « 2 » . لما قدم صوفية أهل البصرة على أبي القاسم الجنيد بعد وفاة سهل قدّس اللّه سرّه قال لهم : كيف تعملون في الصوم ؟ فقالوا : نصوم بالنهار ، فإذا أمسينا قمنا إلى قفافنا . فقال : آه ، آه ، لو كنتم تصومون بلا قفاف كان أتمن لحاكم : أي لا تسكنون إلى معلوم . فقالوا : لا نقوى على هذا « 3 » . قال الجنيد : دخلت البادية بعقد التوكل في وسط السنة ، فمضت عليّ أيام ، فانتهيت إلى مجمع ماء وخضرة ، فتوضأت وملأت ركوتي ، وقمت أركع ، فإذا بشابّ قد أقبل بزي التجار ، كأنه قد غدا من بيته إلى سوقه ، أو يرجع من سوقه إلى بيته ، فسلّم عليّ ، فقلت : الشاب من أين ؟ فقال : من بغداد . فقلت : متى خرجت من بغداد ؟ قال : أمس . فتعجبت منه ، وكنت قد مضت عليّ أيام حتى بلغت إلى ذلك الموضع ، فجلس يكلّمني وأكلّمه ، فأخرج شيئا من كمه يأكله ، فقلت له : أطعمني مما تأكل . فوضع في يدي حنظلة ، فأكلته ، فوجدت طعمه كالرطب ، ومضى ، وتركني ، فلما دخلت مكة بدأت بالطواف ، فجذب ثوبي من ورائي ، فالتفت ، فإذا أنا بشابّ كالشنّ البالي عليه قطعة عباء ، وعلى عاتقه بعضه ، فقلت له : زدني في المعرفة . فقال : أنا الشاب الذي أطعمتك الحنظل . فقلت له : ما شانك ؟ فقال : يا أبا القاسم ، ذرأونا حتى إذا أوقعونا ، قالوا استمسك « 4 » .

--> ( 1 ) انظر : تلبيس إبليس ( ص 277 ) . ( 2 ) انظر : اللمع ( ص 259 ) . وسبيل المكاسب عند الجنيد ، على ما سبق من الشرط : سبيل الأعمال المقربة إلى اللّه عز وجلّ . وانظر : التعرف ( ص 103 ) . ( 3 ) ويعقب المكي بقوله : ولعمري إن طريق البغداديين بترك المعلوم من المطعوم أعلى ، وهو طريق المتوكلين من الأقوياء ، وطريقة البصريين بالمعلوم والتوقيت أسلم من آفات النفوس ، وأقطع للتشرف والتطلع ، وهو طريق المريدين والعاملين . وانظر : القوت ( 2 / 343 ) . ( 4 ) انظر : الحلية ( 10 / 275 ) .